عبد الله بن أحمد النسفي
153
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 45 إلى 47 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 45 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 46 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 47 ) الكثير قليلا بأن يستر اللّه بعضهم بساتر ، أو يحدث في عيونهم ما يستقلّون له « 1 » الكثير كما أحدث في أعين الحول ما يرون له « 2 » الواحد اثنين ، قيل لبعضهم إنّ الأحول يرى الواحد اثنين وكان بين يديه ديك واحد ، فقال : ما لي لا أرى هذين الديكين أربعة لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ فيحكم فيها بما يريد ، ترجع شامي وحمزة وعليّ . 45 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً إذا حاربتم جماعة من الكفار ، وترك وصفها ، لأنّ المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفار ، واللقاء اسم غالب للقتال فَاثْبُتُوا لقتالهم ، ولا تفرّوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً في مواطن الحرب مستظهرين بذكره مستنصرين به داعين له على عدوكم : اللهم اخذلهم ، اللهم اقطع دابرهم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ تظفرون بمرادكم من النّصرة والمثوبة ، وفيه إشعار بأن على العبد أن لا يفتر عن ذكر ربّه ، أشغل ما يكون قلبا وأكثر ما يكون همّا ، وأن تكون نفسه مجتمعة لذلك ، وإن كانت متوزعة عن غيره . 46 - وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الأمر بالجهاد والثبات مع العدوّ وغيرهما وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا فتجبنوا ، وهو منصوب بإضمار أن ويدلّ عليه وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ أي دولتكم ، يقال هبّت رياح فلان إذا دالت له الدولة ونفذ أمره ، شبهت في نفوذ أمرها ، وتمشيته بالريح وهبوبها ، وقيل لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها اللّه ، وفي الحديث : ( نصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدّبور ) « 3 » وَاصْبِرُوا في القتال مع العدو وغيره إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ أي معينهم وحافظهم . 47 - وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ هم أهل مكة حين نفروا لحماية العير ، فأتاهم رسول أبي سفيان أن ارجعوا فقد سلمت عيركم ، فأبى
--> ( 1 ) في ( ز ) به . ( 2 ) في ( ظ ) و ( ز ) به . ( 3 ) متفق عليه من طريق مجاهد عن ابن عباس .